هذا المجلس يعتقد أن على الدولة أن تتوقف عن تمويل الدراسات العليا في القطاعات التي لا تحظى بطاقة تشغيلية للشباب
Title 
من حق الدولة أن تبني استثماراتها على معيار المردودية
Point 

تستمد الدولة مواردها من مواطنيها أي دافعي الضرائب، وبهذا المعنى، فيفترض بها أن توفر أساساً الإحتياجات الأساسية لهم، وكذلك أن تستثمر تلك الأموال لتربح وتوفر خدمات أفضل. لا يمثل التعليم الجامعي بصفة عامة حاجة أساسية، وخاصة القطاعات غير القادرة على تشغيل الشباب ومن ثم تنشيط الدورة الإقتصادية، ولهذا فإن من حق الدولة أن تركز مواردها على ما يخدم مصلحتها الإقتصادية على المستوى المتوسط والبعيد. هذه المصلحة هي في الحقيقة مصلحة جميع المواطنين، إذ أن نجاح الدولة في أي إستثمار يعني قدرتها على تلبية حاجياتهم وتوفير إمكانيات أفضل في الشعب ذات الطاقة التشغيلية حتى يمكنها المنافسة مع المؤسسات الخاصة. 

Title 
هذه السياسة تؤدي إلى توجه الطلبة إلى اختصاصات تخدم مصلحتهم
Point 

بعيداً عن العالم المثالي الذي يتوجه فيه كل طالب إلى المجال الذي يحبه، فإن هناك عوامل أخرى تحكم إختيار الإختصاص غير الحب والشغف، ومن هذه العوامل مثلاً أن يكون ذا مستوى مقبول فيها، ومنها كذلك أن يكون الإختصاص مما يستجيب لطموحه في شغل وبالتالي عيش كريم. بل إن الدولة قد تكون غير قادرة بالمرة على توفير اختصاصات معينة في أماكن معينة إما لقلة الأساتذة أو لغياب الإمكانيات، فبإمكانها أن تقتصر على الإختصاصات التي توضح الدراسات والمؤشرات أنها مما ستعتمد عليه في المدى المنظور في سوق الشغل. وهكذا يحصل دفع للطالب حتى يختار من بين الطرق التي تؤدي به إلى سوق الشغل والنجاح عوض البطالة والإحباط. وعلى كل حال، فإن هذا الضغط والتحديد سيجعله أكثر تركيزاً في البحث بين الشعب ولعله يكتشف أن إختصاصاً آخر يقرب من اهتماماته ويحصل به المعادلة الصعبة بين الاختيارات المتاحة له. أضيف مسألتين: أن كثيراً من الطلاب المتخرجين حديثاً من المدارس الثانوية لا يملكون أصلاً دراية كافية ولا تصوراً واضحاً لما يريدون أن يفعلوا في المستقبل، وبهذا يكون هذا الإجراء نوعاً من التوجيه لهم، وثانياً، أن من كان متميزاً في إختصاص غير ممول، يمكنه الحصول على منحة دراسة في إحدى المدارس الخاصة إن لم يمكنه التكفل بمصاريفها. 

Title 
إن هذا الإجراء ينشط الحركة الإقتصادية في البلاد
Point 

إن إجراءً كهذا يستتبع بالضرورة إنتباه الدولة ممثلة في وزارة التعليم العالي إلى سوق الشغل حتى يكون بإمكانها إبتداءً تحديد قائمة الشعب ذات الطاقة التشغيلية، وكذلك تحيينها دورياً حسب تطورات السوق و التكنلوجيا و الإستثمار الأجنبي و المحلي، وهذا سيؤدي إلى تعامل مثمر بين القطاعين الخاص والعام، إذ يتم تلبية إحتياجات المصنعين ومقدمي الخدمات من العمالة الماهرة، ليس فقط على مستوى الكم، بل كذلك يتحسن المستوى عندما يزيد العدد وتزيد المنافسة في الجامعات. أما من لا يقدر على مواصلة التعلم في تلك الشعب لضعف في مستواه مثلاً، فإن الأفضل له أن يتوجه إلى شعب قصيرة تكون تقنين، أو أن يتعلم في مراكز التكوين، وفي ذلك فائدة مضاعفة: فمن ناحية هذا يؤدي إلى التكامل في الإحتياجات من العمالة الكفؤة القادرة على التسيير والتأطير من مهندسين ومدراء مشاريع، وكذلك التقنيين والعملة الماهرين، هذا بالإضافة إلى باعثي المشاريع الشبان الذين سيجدون وسطاً متعطشاً للمبادرات في إنشاء المؤسسات الصغرى والمتوسطة. أما من ناحية أخرى، فإن هذا سينقذ الطلبة ذوي المستوى الضعيف في الدراسة من اضاعة أهم سنوات أعمارهم في أروقة الجامعات يحتسون القهوة تلو القهوة ويدخنون يرسبون عاماً بعد عام دون أن ينطلقوا في حياتهم العملية حتى يصلوا إلى نهاية العشرينات أين يلتصق بهم طابع الفشل العملي والإجتماعي.    

Title 
هذا الإجراء سينقص معدل الكفاءة في قطاعات مفصلية في الدولة
Point 

لو حللنا ماهي القطاعات المشغلة للشباب بمعنى الكم فإنا سنجد غالباً مهن الهندسة والتقنين والعمال الحرفيين خاصة في ما يتعلق بقطاعات الإعلامية و التكنلوجية والصناعات الحديثة (هذا بإستقراء ما سيكون في سوق الشغل في المستقبل القريب)، و أغلب هاته المهن تنفذية تدور على أساس أجهزة متكاملة ووحدات إنتاج، أما المهن التي لا تشغل عدداً كبيراً من الشباب وتحتاج إلى التجربة وتقتصر على ثلة مميزة فتشمل كبار الإداريين والسياسيين في أعلى المناصب في الوزارات الحكومية والقضاة ومدراء الشركات: و كل هذه مناصب جد حساسة في الدولة والأفراد الذين يشغلونها يحددون مصير جزء كبير من المشهد السياسي والإقتصادي في البلاد: إذاً فالمشكلة في هذه السياسة هي أنها ستقطع التمويل عن هذه القطاعات، وبالتالي سينقص حتماً عدد من يسجل فيها، وضرورةً سيكون المستوى العام فيها أضعف. وإذا كان المستوى أضعف، فإن هذا سيكون فرزاً لنخبة من جمع ضعيف المستوى. في المتوسط سيعني هذا في المدى المتوسط سياسيين أضعف ومدراء أضعف ووزراء أقل كفاءة وقضاة أقل مهنية: إن التصدع الذي يصيب أياً من هذه المناصب سيكون ذا عواقب وخيمة على الدولة وذلك على مستويين: 

  • أولاً: المستوى المباشر، فإن قضاةً ضعيفي التكوين أو المستوى الفكري سيتخبطون في القضايا التي توضع بين أيديهم وقد يحملون جزءًا كبيراً منها ويكونون غير قادرين على قضاء وقت كافٍ للحكم على مشاكل تعني الحياة والموت أحياناً بالنسبة لأصحابها أو حتى يسهل أن يتلاعب بهم محامٍ: هذا سيضيع الحقوق ويدمر حياة أفراد. وكذلك الأمر لوزير أو مدير لا يستطيع أخذ القرارات بسرعة ولا يتقن القيادة ، فقد تتعمق المشاكل في الوزارة والشركة التي ينقصها عنصر القيادة وتكون فاشلة. 
  • ثانيا، مستوى مصداقية المؤسسات التي يمثلونها الذي سيتدنى بصفة كبيرة جراء لذلك: فهذه المناصب الحساسة لها مكون عملي مهم، ولها كذلك مكانة معنوية، فهي تمثل السلطة في أشكال مختلفة لها، والممثلون لها ينظر لهم كقدوات يفترض أن يقوموا بالتحركات المناسبة ويبجلوا الصالح العام، أما وزراء لا يتقنون إصدار قرارات أو إلقاء الخطابات ومدراء لا يحسنون الإدارة وقضاة لا يفرقون بين بينة وإدعاء، فإن من ينظر اليهم يصعب أن يحترم السلطة التنفيذية ولا القضاء وبالتالي تفقد الدولة هيبتها ونظامها أمام مواطن لا يشعر بالأمان فيها. 
Title 
قطع التمويل العمومي عن تلك القطاعات يجعلها حكراً على الأغنياء
Point 

كما قلنا في الحجة السابقة، فإن من القطاعات التي لا تكون طاقتها التشغيلية كبيرة قطاعات تتميز بالإدارة وبنوع من السلطة؛ فإذا اختارت الدولة أن تتوقف عن تمويل دراستها، فهذا يعني أنها ستصبح حكراً على طبقة معينة من المترفين مادياً، وفي هذا ثلاث مشاكل: 

  • أولاً، أنه ينافي مبدأ العدالة الإجتماعية بمعنى واجب الدولة في خلق فرص متساوية لمواطنيها عامة وللشباب خاصة للوصول إلى أي مكانة بشرط واحد وهو شرط الكفاءة والجد في العمل لا شرط الإنتماء الإجتماعي، وانعكاسات هذا خطيرة على المجتمع الذي سيستقر فيه شعور بأن 
  • ثانياً، أنه يسقط التنوع في صفوف الدارسين لتلك الإختصاصات: إذ أن مهمة التعليم تشمل كذلك التفاعل بين الطلبة وتعلمهم بعضهم من الآخر، فكلما كان هناك تنوع أكبر كلما كان ذلك أجدر بإثراء النقاشات وإتخاذ أمثلة أكثر: مثلاً، إذا نوقشت التخطيطات العمرانية للمدن، فيكون وجود طلبة من أحياء راقية وطلبة آخرين من الأرياف أو الأحياء الشعبية أفضل في إعطاء صورة حقيقية عن الواقع الذي يعيشه كل منهم، وبالتالي دراسة المشاكل بأبعاد مختلفة لا بفهم وتصور واحد في حال إنعدام ذلك التنوع. 
  • ثالثاً، أنه يحرم فئةً من الذين قد يتخذون تلك المناصب وسيلة لإصلاح مشاكل واجهتهم في حياتهم أو واجهت من كان قريباً منهم، وفئة المترفين ولئن كانت لها نفس الروح الشبابية التي تتوق للتغيير وتحسين الأشياء في الأصل، إلا أنها تجهل حقيقة المعاناة التي يتكبدها الناس من الفئات الأخرى: فمثلاً، قد يكون دافع وزير المواصلات أو أحد كبار المسؤولين في تلك الوزارة أكبر لو كان ممن عانوا سنوات طوالاً من النقل العمومي واكتظاظه وانقطاعه أحياناً على عكس من كان أبواه يوصلانه إلى مدرسته الخاصة في السيارة الفارهة، ثم إشترى سيارته الخاصة قبل سن العشرين. 
Title 
هذا الإجراء ليس مناسباً في عصر حديث يصعب فيه القيام بتكهنات حول واقع الشغل
Point 

إن سياسةً كهذه تحتاج دراسة عن مستقبل قطاعات الشغل ويجب أن تكون الدراسة متواصلة ومرنة لتتأقلم مع المتغيرات الكبيرة في الإقتصاد العالمي والإقتصادات الإقليمية التي أصبحت تعتمد بصفة كبيرة على الآلية والذكاء الإصطناعي، مما يعني تحولاً كبيراً في مشهد سوق الشغل التي ستعتمد بصفة محدودة على العنصر البشري. وبصفة مقابلة، هناك الآن نقاشات كبرى على الجانب الأخلاقي للتعامل مع هذا التقدم وإحداث توازن بين التكنلوجيا وطريقة تعاملنا معها وارتباطنا بها: وهذا قد يدفع بكثير من الإختصاصات الإنسانية التي ينظر إليها الآن كقطاعات متروكة غير مشغلة إلى الواجهة من جديد. والمشكلة حينذاك في تحديد ما يجب تمويله مما لا يجب تمويله تصبح شديدة التعقيد، لأن المفترض أن تتكامل كل القطاعات لتحقيق الإنسجام والتوازن المطلوب، لا أن يبقى الطلبة حيارى أمام لجنة لا علم لهم بموضوعية دراساتها عما يمكنهم أن يدرسوه وما لا يمكنهم دراسته.  

X