هذا المجلس يعتقد أن حرية التعبير يجب أن تشمل الإساءة إلى الأفراد والمؤسسات

تأطير: لا يشمل التحريض على العنف ولا نشر الأخبار الكاذبة عن الأشخاص (أي القذف الذي يعاقبه القانون أصلاً)

Title 
قمع الإساءة واخراجها من دائرة حرية التعبير يؤدي بسهولة إلى التضييق عليها بصفة عامة
Point 

الإساءة في حد ذاتها مفهوم يصعب تحديده لغياب الموضوعية عنه، فما يظهر لشخص ما كإساءة قد يكون مجرد ملحوظة منطقية ومقبولة لشخص آخر. بل الأمر أعقد من ذلك، إذ قد يكون معتقد شخص ما يحوي إساءة إلى شخص آخر ولو عبر عنه بطريقة لائقة، فهل نفرض عدم التعبير عن المعتقدات التي فيها إساءة إلى آخرين؟ إن هذا التحديد عندئذ يكون خطراً داهماً على حرية التعبير والمعتقد على حد سواء، إذ أن المعتقد، وهو أغلى ما يعبر عن ذات الشخص، يكتسب أهميته عند التعبير عنه ومناقشته مع الآخرين بحرية. والأمثلة عن هذا كثيرا، خاصة في المجال الديني والسياسي، إذ أن كثيراً من الرموز الدينية والسياسية تاريخياً يعتبرها أتباعها فوق النقد، ولا يقبلون أن تقال فيها كلمة نقد ولو بإحترام ويعتبرونها إساءة بالغة: إن إغلاق باب التعبير بهذا المعنى يؤدي إلى الإنغلاق الفكري وزرع أصنام تقيد النقد والإصلاح بصفة عامة، حيث إن الإصلاح يعتمد كثيراً على نقد أحداث التاريخ ونقد الأشخاص وأعمالهم وإن كان ذلك أحياناً يسيء لهم أو لمن يحبهم. 

Title 
قبول وجود الإساءة في الفضاء العام يساهم في إثراء الحوارات وتعميقها
Point 

من مشاكل عصرنا الحالي، خاصة في البلدان الغربية الديمقراطية، التعامل بحساسية بالغة مع ما يقال بصفة عامة، ويتم إلتزام مبدأ الحيطة بصفة مبالغة في كل ما يمكن أن يمس فرداً معيناً أو مجموعة ما. ولئن بدا هذا علامة على الرغبة في عدم جرح مشاعر الآخرين والتلطف بهم، إلا أنه ،علاوة على اعتماده على درجة عالية من التكلف، يدفن المشاكل ولا يحلها ويغطي جراحاً دون معالجتها: ذلك أن التكلم بحرية بما فيه إساءة للآخرين يمثل فعلاً سيجر رد فعل، ورد الفعل هذا فيه رد وتصحيح، وفيه كذلك مواجهة لأفكار خاطئة، أو على الأقل بسط لوجهة نظر لا يفهمها المسيء وقد يتعلم منها. و- هكذا يستفيد الطرفان: من صدرت منه "الإساءة" ومن كانت موجهة له. ففي المواجهة، وإن اتسمت بالحدة بدايةً، بداية تواصل وبناء لنقاش متحضر يفضي إلى الفهم في أحايين كثيرة، وهذا مهم خاصة في المجتمعات المتنوعة عرقياً أو دينياً. مثال ذلك في المجتمعات الأوروبية، حيث تصدر أحياناً مثلاً إساءات إلى الدين الإسلامي، ويكون ذلك، وإن جرح مشاعر المسلمين هناك، فرصة لهم للتعريف بخصائص دينهم ومعتقدهم في ذلك المجتمع الذي حصل التوازن بين التسامح مع تلك الإساءة وكذلك الرغبة في الإستماع إلى المعنيين بالأمر وفهم ردة فعلهم. على العكس من ذلك، عرفت مجتمعات أخرى حذراً شديداً في التعبير مع اقليات فيها، ثم جاءت الإنتخابات لتنجح فيها احزاب يمينية متطرفة معادية لتلك الأقليات، مما يعبر عن مشاعر مكبوتة، لم تسعها حرية التعبير لهدم التصورات الخاطئة فيها في الفضاءات العامة، فأنتجت مغالطات وأحقاداً بثت الصناديق أسرارها.   

Title 
الإساءة أحياناً مهمة في التوعية والتنبيه على مشاكل وأخطار يواجهها الأفراد والمجتمعات
Point 

من المسائل التي تحرج العديد من الشخصيات العامة من مثقفين وسياسيين وصحفيين في مواجهة أعمال مشينة يقوم بها وزير أو مسؤول كبير طريقة التعبير عن رفض تلك التصرفات. فالمعضلة هي الموازنة بين الإحترام في النقد والتنديد من ناحية وبين التوبيخ الذي يؤدي إلى الردع من ناحية أخرى: و لنقل ما نريد عن أهمية اختيار الكلمات المنمقة للتعبير عن الإستياء، ولكن هذه الكلمات الملطفة لا تحدث وقعاً في الناس ولا فيمن إرتكب الفعل المشين أصلاً. أما الكلام الجارح المسيء فهو الذي يخدم هذين الغرضين، ويتأكد ذلك في المسائل المهمة وتكون الإساءة على قدر الفعل الأصلي السيئ. مثال ذلك ما حصل في أحد البلدان التي إنفرد الدكتاتور الذي يحكمها بالسلطة ثم نحى جميع المرشحين ضده في الإنتخابات، فأطلق الناس حملة كبيرة عبر مواقع التواصل مستعملين كلمة نابية فيها، وكان لها وقع عالمي وأثارت الرأي العام بشدة حول واقع التزوير وأزمة الحكم في بلدهم.

Title 
تضمين الإساءة في مفهوم الحرية يشوهه
Point 

يمكن تلخيص مفهوم الحرية في إحترام الحدود بين الأفراد، وفي حرية التعبير تخص تلك الحدود ما يقولونه. وفي الأصل، أي في أول ما يتبادر إلى أذهاننا عندما نقول "حرية التعبير" فإننا نتصور شخصاً يتكلم بحرية في موضوع خاص أو عام يقدم إقتراحاً بناءً أو يعبر عن مشاعر إيجابية، وذلك لأن مفهوم الحرية عند أغلبنا شبه مقدس ومكسب مهم من مكاسب حضاراتنا المعاصرة، ومما يجعل انسانيتنا كاملة. أما عندما نربط بهذا المفهوم معنى "الإساءة" فإنا نشوه المفهوم، لأنه يشوش صفاء تصور الوقوف عند حدود معينة وينطلق للتعدي على شخص آخر. طبعاً، هناك كثير من المواقف التي قد يجد اصحابها مبررات لفعل ذلك من باب رد الفعل أو غير ذلك، لكن المشكل في الرمزية لا في المنطق العملي للأشياء. فيمكن أن يستشيط شخص ما غضبان في موقف معين ويشتم شخصاً آخر، أو يوجه سهام نقد لاذع يحط من مؤسسة معينة، لكن دون أن يربط ذلك بحرية التعبير، فذلك الربط يضر المواقف الحقيقية التي تأخذ فيها حرية التعبير صورتها الطبيعية في الأذهان، ولا تصبح مجرد "أعراض جانبية" بل من طبيعتها، وبذلك تنقص من وهجها والمطالبة بها عند الشعوب. وذلك مثال التصرفات المسمومة في بعض البلدان التي تريد أن تعطي الحرية للجميع وتسمح بالإساءة دون ضوابط فيصبح شتم رموز السياسة وإذاعة أسرار المشاهير في باب الفضائح وسب الأديان ورموزها والأعراق وقياداتها سمة بارزة فيها، وليست هذه مواصفات تغري شعوباً تعيش القمع في بلدان أخرى بأن حرية التعبير هذه التي تعتدي على أقدس ما لديهم وتحط من قدر كل شيء يجب أن تكون هدفهم.   

Title 
الإساءة تسيء إلى المجهودات البناءة في النقد ومحاولات الإصلاح
Point 

هناك مشكل جوهري في الإساءة وهي أنها غير ضرورية، وأكثر من ذلك هي ضارة. وهذا بسبب الطبيعة البشرية، فإن الإساءة، من حيث هي تعبر عن مشاعر سلبية، حتى لو ادعي أنها تغلف نقداً حقيقياً، ومن ثم تستفز ردة فعل مشابهة من الإساءة المضادة غالباً، فتخلق جواً مشحوناً من الكراهية والشتم والشتم المضاد الذي تنعدم فيه قيمة أي حوار بناء. فلنتخيل مثلاً - وهذا مثال عام نراه في كثير من وسائل الإعلام- أن طرفين يتناظران حول موضوع معين، ثم يقوم أحد الأفراد في تلك الجلسة ويسخر أو يهين فرداً أخر، نرى كثيراً في تلك الحالات سجالاً من الشتائم واللمز عقب ذلك، وينعدم أي فضاء جدي بناء لذكر الأمور المهمة التي يحتاج المستمع إلى سماعها من ممثله السياسي أو النقابي أو الطرف المدني الذي يدافع عنه، فقط يذهب التركيز إلى الفضيحة التي انجرت عن تلك الإساءة والألفاظ التي استعملت وتنسى القضايا الأساسية التي كانت تناقش في ذلك الفضاء العام. ومثال ذلك بعض البرامج في الفضائيات العربية التي كان يفترض أن تكون منابر للحوار و الفهم بين طرفين متضادين، فإذا بالحوار يصبح شجاراً بالكلام بل وحتى بالأيدي، وإذا كان الذيفان هادئين، عاجل الصحفي باستفزازهما للوصول إلى نقطة الفضائح، فلا يخرج المشاهد بفهم لقضية ولا موقف، بل يخرج محبطاً من كم الكراهية والحقد الذي ينفث في تلك البرامج في ساعات ثمينة كان يمكن أن تخصص لحديث ونقاش بناء حول قضايا حارقة للأمة العربية.      

Title 
قد تكون للإساءة عواقب وخيمة على المستوى العملي
Point 

لئن بدت الإساءة بسيطة في البداية وتعبر عن شحنة عاطفية معينة لا تنفصل عن جانب نفسي في البشر فيه رغبة الشعور بالتعالي على الآخر أو التغطية على ضعف الحجة بالشتائم، فإنها تخرج من أساس مخجل في علاقة بتربية عقيمة على مستوى المسؤولية في الكلمة وإحترام الآخر، وتوصل إلى مشاكل وانعكاسات تتراوح بين المؤسفة والكارثية على المستوى الفردي والجماعي: 

  • أما المستوى الفردي، فنخص به الوقع النفسي للإساءة أو خطاب الكراهية، إذ أن إهانة شخص ما خاصة لو كان في موقف ضعف أو يعجز عن الدفاع عن نفسه لأي سبب، تغرس نبتة الحقد في وجدانه، وإذا تكررت نمت تلك النبتة الخبيثة، فتسمم الشخص وتجعله كارهاً بالضرورة لنظام سمح فيه بأن يهان بتلك الطريقة. وقد يؤدي ذلك في أحسن الحالات إلى حالات الإكتئاب والعزلة، وفي أسوئها إلى الإجرام والعنف إنتقاماً ورداً للسيئة بالسيئة. 
  • أما المستوى الجماعي، فنقصد به غربة مجموعات كاملة من البشر في مجتمع ما، فإذا صبت سهام الإساءة على فئة دينية أو فكرية أو عرقية معينة في المجتمع وأصبحت مفروزة بصفات معينة سلبية، فإن تلك الفئة تنطوي على نفسها وتغترب في ذلك المجتمع مؤدية إلى تقسيمه، وقد كان ذلك الحال في وقت معين بالنسبة للسود في أمريكا، وقد يكون كذلك في كثير من البلدان الغربية الآن مع المسلمين. 
X